حبيب الله الهاشمي الخوئي

24

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

والأصحاب والأقرباء أشدّ حزنا وأعظم بكاء وانتحابا من مولاتي فاطمة الزهراء ، وكان حزنها يتجدّد ويزيد ، وبكاؤها يشتدّ فجلست سبعة أيام لا يهدى لها أنين ولا يسكن منها حنين ، وكلّ يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول . فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن فلم تطق صبرا إذ خرجت وصرخت فكأنها من فم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم تنطق ، فتبادرت النسوان وخرجت الولايد والولدان ، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وجاء الناس من كلّ مكان ، واطفيت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النساء ، وخيّل إلى النسوان أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قد قام من قبره ، وصار الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهى تنادى وتندب أباه وا أبتاه وا صفيّاه وا محمّداه وا أبا القاسماه واربيع الأرامل واليتامى اه من للقبلة والمصلَّى ، ومن لابنتك الوالهة الثكلى . ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها وهى لا تبصر شيئا من عبرتها ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فلمّا نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصر خطاها ودام نحيبها وبكاها إلى أن أغمي عليها ، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتّى أفاقت وهى تقول : رفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ، والكمد قاتلي ، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة وحيرانة فريدة فقد انخمد صوتي ، وانقطع ظهري ، وتنغّص عيشي ، وتكدّر دهري ، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي ، ولا رادا لدمعتي ولا معينا لضعفي ، فقد فنى بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرئيل ، ومحلّ ميكائيل انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب ، وتغلَّقت دوني الأبواب ، فأنا للدّنيا بعدك قالية ، وعليك ما ترددت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ، ولا حزني عليك . ثمّ نادت : يا أبتاه والبّاه ثمّ قالت : إنّ حزني عليك حزن جديد وفؤادى واللَّه صبّ عنيد كلّ يوم يزيد فيه شجوني وا كتئا بي عليك ليس يبيد جلّ خطبى فبان عنّي عزائي فبكائي كلّ وقت جديد